website metrics

وداعاً ياحكيم

منتخبون ضد الحرية

كتبهاMakavelli ، في 2 يونيو 2007 الساعة: 22:39 م

بقلم: محمد فاضل - كاتب بحريني

يزعم الاسلامويون المتدينون أن الإسلام ليس فيه كنيسة عندما تستفزهم كلمة مثل ‘’المؤسسة الدينية في الإسلام’’ أو انتقاد سعيهم للهيمنة على كل شيء وضبط حياة الناس بالمسطرة والدقيقة والثانية عبر تدخلهم في كل تفاصيل الحياة العامة والخاصة للناس حتى داخل بيوتهم (امنعوا هذه القنوات التلفزيونية وتلك).
الحق أنهم لا يلحظون في جوابهم على عدم وجود كنيسة في الإسلام أنهم يمارسون الهيمنة نفسها التي كانت تمارسها الكنيسة وبنفس الأدوات وبنفس المنهج ونفس النتائج. المنطق بسيط في كلا الحالين: منطق الحلال والحرام وأداة القياس والمحاكمة واحدة: التعاليم. في تبرير سعيهم للهيمنة، كان قساوسة الكنيسة ورهبانها يرددون أنهم يخشون على أخلاق العامة من الناس.
انه نفس المنطق الذي يستخدمه الاسلامويون في سعيهم المحموم للرقابة والهيمنة على كل شيء: الحفاظ على أخلاق الناس.
لا ندري أي مؤمن هذا الذي يخشى عليه من برنامج تلفزيوني عابر، أو مشاهدة شعر فتاة في الشارع. وعلى ذكر الفتيات والنساء، هل تتذكرون ضجيج الحشمة الذي أرادوا من خلاله وضع قيود على ملابس الطلاب والطالبات في الجامعة. كان نقاشا عقيما الى ابعد الحدود لكن سؤالا واحدا غاب عن الجميع في غبار تلك المعركة: من هو أكثر هوسا بالنساء وأجساد النساء..؟ أصحاب المقترح والضجيج أم معارضيهم؟. هذا الاهتمام بتفاصيل ملابس النساء وشعورهن ومشيتهن والكيفية التي يتحدثن بها أو يتصرفن بها ألا يدل على هوس غير طبيعي (مفردة مخففة لكلمة مرضي) بالنساء وأجساد النساء؟. ألا يدل هذا التدقيق غير الطبيعي بالتفاصيل الصغيرة في ملابس النساء وإشكالهن بهوس غير طبيعي بالنساء وأجساد النساء؟. تذكروا إنكم ستجدون هذه التفاصيل أو بالأصح الهوس غير الطبيعي بالتفاصيل في أكثر من مكان وأكثر من جدل وأكثر من اقتراح. هذا الهوس بالتفاصيل والانتقائية ليس سوى دليل على نوع من الناس يملكون دوافع مرضية للتلصص والوشاية. على هذا يمكنكم النظر إلى مقترح مثل إنشاء هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتباره أوضح دليل على هذه الدوافع لأنه لا يتطلب إلا جيشا من الوشاة والمخبرين لمراقبة الناس في الشوارع وإحصاء أنفاسهم، والهدف هو نفسه: ضبط أخلاق الناس.
ومثلما كان قساوسة الكنيسة في القرون الماضية يملكون جوابا واحدا للرد على التساؤل عمن فوضهم لكي يمارسوا كل هذه الوصاية على الناس، فإن الاسلامويين لديهم نفس الجواب: الدين.
المنطق هو نفسه، فالتدين والانتساب إلى الكنيسة أو مؤسسة دينية أو حزب يكفي للحصول على تفويض ذاتي لفرض الهيمنة والرقابة.
انظروا إلى الكيفية التي تعمل فيها عقلية الرقابة والهيمنة على الناس وضبط أخلاق الناس: انتقاء مشهد أو اثنين من عرض موسيقى وشعري كامل ضمن برنامج منوع يمتد شهرا وأكثر لإقامة محاكمة لشاعر وفنان موسيقي عبر محاكمة مشهد واحد أو اثنين.
محاكمة تذكرنا بكل محاكمات المبدعين عبر التاريخ، أولئك الذين أحرقتهم الكنيسة واتهمتهم بالهرطقة قبل أن تأتي بعد قرون لرد الاعتبار لهم. محاكمة تذكرنا بالعداء المتأصل الذي يكنه المتدينون للعلوم والثقافة والفنون ولكل ما هو خارج إطار الدين. ومثلما لم تفلح الكنيسة عبر مساعيها للهيمنة المطلقة وضبط حياة الناس بالمسطرة والدقيقة والثانية وأشاعت العداء لها وللدين نفسه في مجتمعات أوروبا، فإن الاسلامويين وهم يقتفون طريق قساوسة القرون الوسطى يفعلون الشيء ذاته وسيقودون المجتمعات الى الطريق نفسه.
السبب جد بسيط ولا يتعلق بالإسلام ولا بالدين نفسه، بل يتعلق بهم أنفسهم. إنهم لم يفهموا بعد أن ‘’القسر’’ و’’الإكراه’’ هو ما ينفر الناس منهم شخصيا في البداية. القسر والإكراه كان خطأ الكنيسة التاريخي، وطالما عاندوا وكابروا فإن النفور يمتد لاحقا إلى الدين نفسه طالما أنهم يمارسون قسرهم وإكراههم باسم الدين. ثمة غيرة على الأخلاق تشعرنا بأن الأخلاق والدفاع عن الأخلاق ليس سوى حق حصري للمتدينين. فغيرهم لا أخلاق له وكان أولئك الذين احتشدوا يومين لمشاهدة العرض وكانوا بالمئات لا أخلاق لديهم ولا دين ولا ضابط.
الآن ليقل لي أولئك الذين اقترحوا تشكيل لجنة تحقيق وأولئك النواب الذين نافحوا عبر الصحف عن موقفهم هذا: هل يعتبرون كل أولئك الذين حضروا العرض واحتشدوا ليلتين متتاليتين بالمئات مطعونا في أخلاقهم؟
الحق أيضاً، انه مثلما فشلت الكنيسة في فرض لون واحد على مجتمعاتها، فإن العبرة هنا واضحة: لا يمكن فرض لون واحد على أي مجتمع. هذه عبرة التاريخ ولقد اختار هؤلاء اخطر الوسائل لفرض وصايتهم وقسرهم وإكراههم: محاربة الأدب والثقافة والفنون.
سيجد هؤلاء مقاومة لن تتوقف وهم أيقظوا الآن نوازع المقاومة لدى الجميع من نوع الحياة التي يريدون أن يفرضوها على الناس. وإذا كانوا سيردون بجوابهم المعهود وهو الطعن في أخلاق معارضيهم ومنتقديهم وتكفيرهم، فإن هذا ليس سوى الطريق الذي سار عليه قساوسة العصور الوسطى. منطق التكفير بسيط للغاية لكنه لا ينم عن أي ذكاء ولا إحساس بالمسؤولية بل فيه قصر نظر فظيع. وهو رد كفيل بزيادة المقاومة ضدهم لأن الكرامة البشرية عنصر ساقط من حسابهم طالما أنهم أعطوا أنفسهم الحق في توزيع شهادات الكفر والإيمان بمجانية تفوق الوصف. الكرامة التي لا يستفزها أكثر من محاولة شخص أو جماعة فرض شيء عليها ضد قناعاتها. أي باختصار شديد معنى الحرية نفسه. وإذا تلعثمت الحكومة كعادتها ولم تقدم جوابا واضحا حول حماية الحرية الفردية المنصوص عليها في الدستور، في التفكير والمعتقد والرأي والثقافة والفنون والبحث العلمي، فإنها ستواصل جرنا إلى الكارثة.
ماذا بقي الآن لكي لا نقارن هيمنة الكنيسة في القرون الوسطى بالهيمنة التي يسعى إليها الاسلامويون المتدينون؟. يريدون الهيمنة على كل شيء، أما القول بأنهم يمارسون حقهم كنواب منتخبين مفوضين ففيه مغالطة تفصح عن عصاب. فهذا الجواب لا يقول إلا أن السعي للهيمنة والوصاية على الناس يتم بأداة دستورية. يفوتهم هنا أن الأخلاق ليست من اختصاص المجالس التشريعية. الفن والأدب لا يحاكم في المجالس التشريعية بل لا يحاكم أبدا: ينطلق ويطرح نفسه على الناس وهم الأجدر بالحكم عليه من دون وصاية من أحد: يتقبلونه، يرفضوه، ينتقدوه، يتعلقون به أو يطرحونه جانباً. هذا هو المعنى الوحيد لحرية التفكير والرأي.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة, سياسة, مقالات | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

<!--{PS..9}-->
Free web page counter
<!--{PS..10}-->


no-minimum.com