" لا مستقبل بدون صفح "
كتبهاMakavelli ، في 25 يونيو 2007 الساعة: 22:09 م

عبد الجليل النعيمي
غدا، 26 يونية، سيحتفل العالم بيوم الأمم المتحدة الدولي لمساندة ضحايا التعذيب وفق إعلان الجمعية العامة في قرارها 52/149 المؤرخ 12 كانون الأول/ديسمبر 1997. في عام 2000 أكد القرار 2000/43 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة ( قبل أن تصبح مجلس حقوق الإنسان في العام الماضي ) من جديد "أنه لا ينبغي أن يتعرض أحد للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وأن هذه الأعمال تشكل محاولة إجرامية لتدمير الإنسان بدنياً وذهنياً، الأمر الذي لا يمكن أبداً تبريره في ظل أي ظرف من الظروف ولا باسم أي أيديولوجية أو مصلحة عليا". فحظر التعذيب منصوص عليه أصلا في المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
إنه مهما حدث في المجتمعات من تغيرات فكما يقول الكاتب والمفكر القرقيزي الكبير جنكيز أيتماتوف ( 1928) تبقى "الذاكرة الإنسانية وحدها التي تعيش أطول من غيرها على الأرض. أما الإنسان نفسه فطريقه المرسوم قصير، كالمسافة بين حاجبيه". وفي حين تحوي ذاكرة الشعوب السلبي والإيجابي ليس في الماضي فحسب، بل وفي أثرها على مستقبل تطورها، لذلك فإن التخلص من تأثير السلبي منها يعتبر مهمة يجب التصدي لها بالوعي اللازم وبما يكفي من الصرامة والموضوعية. وفي بلدان كثيرة من العالم تركت ممارسات القمع والتعذيب جروحا غائرة اختزنتها الذاكرة الوطنية للشعوب. وحتى مع حدوث التحولات السياسية الإيجابية تظل تركة الماضي تمثل عائقا أمام أن يلعب المجتمع دوره، بل أنها قد تتحول إلى عائق في وجه التحولات ذاتها لترتد بها عكسا.
إن هناك حاجة إلى تجاوز الأزمة التي خلفتها حقبة الماضي الصعب تجاوزا واقعيا وليس وهميا. ولذلك يجب أن يتمتع طرفا الدولة والمجتمع بإرادة سياسية تفضي قبل كل شيئ إلى إثبات حقيقة الانتهاكات وبيان أسبابها والعوامل الحقيقية التي أدت بالسلطات إلى ممارستها والخروج بتوصيات وإجراءات لرفع الضرر عن الضحايا وتعويضهم ليس بالمال وحده، بل وبإعادة التأهيل وإعادة الاعتبار وتقديم الاعتذار أو اتخاذ إجراء رمزي لمحو آثار الانتهاكات. وكذلك اقتراح أساليب لإصلاحات تشريعية تضمن عدم تكرار هذه الانتهاكات. وأن يفضي كل ذلك في نهاية المطاف إلى المصالحة الوطنية التي هي بهذا المعنى تخليص للذاكرة الوطنية من شحناتها السلبية على مستقبل التطور.
لقد تجمعت لدى البشرية حصيلة تجارب شعوب كثيرة في المصالحة الوطنية. في المغرب شكلت لجنة "الإنصاف والمصالحة" في يناير 2004 التي انعكست نتائج أعمالها إيجابا على المجتمع. في غينيا - القانون 611 للمصالحة الوطنية الذي ألزم بتعويض كل المتضررين من انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة الماضية. السلفادور اجتازت أزمتها عن طريق لجنة تقصي الحقائق 1992. غواتيمالا - لجنة بيان انتهاكات حقوق الإنسان وأعمال العنف 1994. السيراليون - المحكمة الخاصة لسيراليون. كمبوديا : محاكم مرتكبي الجرائم. تيمور الشرقية : تم إنشاء "لجان ذات ولاية قضائية خاصة على الأفعال الجنائية الخطيرة". رواندا – "اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان". وكذلك في أسبانيا ما بعد فرانكو.
أما التجربة الأكثر نضجا والأبعد أثرا فكانت تجربة جنوب أفريقيا عن طريق "لجنة الحقيقة والمصالحة". "لا مستقبل بدون صفح" – هو عنوان كتاب ألفه ديزموند توتو، رئيس أساقفة في الكنيسة الأنجليكانية والحائز على جائزة نوبل للسلام وأحد الناشطين المناوئين لسياسة التمييز العنصري. أصبح توتو رئيس " لجنة الحقيقة والمصالحة" بهدف تحقيق وحدة وطنية لبلد انقسم على نفسه نتيجة لفترة الحكم العنصري والتصفيات العرقية. وفي ورقة قيمة قدمها الباحث محمد ديتو في المنبر التقدمي الأسبوع الماضي استعرض فيها تجارب الشعوب حول دور الذاكرة الوطنية في تعزيز ثقافة الديمقراطية لخص نتائج تجربة جنوب أفريقيا على لسان توتو نفسه : " لقد حررتنا الحقيقة فعليا, حتى أصبح بوسعنا أن نعقد السلام مع أنفسنا. وبفضل التذكر والغفران أصبح بوسعنا أن نسلم كوابيس الماضي إلى صفحات النسيان ".
لعل النشاط الذي جرى الأسبوع الماضي في مملكة البحرين يبين أنها ليست استثناء، بل أنها كانت استثنائية في طريقة احتفالها بيوم ضحايا التعذيب هذا العام. لقد شهدنا خلال الأيام الماضية عدة أوجه من الاحتفال بهذه المناسبة من ندوات ومقالات صحفية. كما انشغلت الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان وعدد من الجمعيات السياسية بالتحضيرات الأخيرة لورشة العمل من أجل وضع مشروع الحقيقة والإنصاف والمصالحة الوطنية في البحرين التي من المفترض أن تكون قد تمت السبت ( أكتب الآن قبل انعقادها). ورغم بعض العوائق إلا أن التحضيرات سارت بشكل جدي. وقد أبدى جلالة الملك اهتمامه حيث استقبل الخميس الماضي ممثلي جمعيات حقوق الإنسان مؤكدا لهم أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء وأن جلالته لن يقبل بأي ظلم أو تجاوز، مذكرا بالإنجازات التي تحققت على طريق تجاوز أزمة الماضي. وفي هذا الصدد يجب التأكيد أن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين خلال عامي 2000 – 2001 وإلغاء قانون أمن الدولة عام 2000 وصدور المرسوم بقانون رقم 10/لعام 2001 بالعفو العام، كل ذلك قد شكل نقلة نوعية في العلاقة ما بين المجتمع والدولة وعلى طريق المصالحة الوطنية. غير أن التعديل على قانون العفو العام بالقانون رقم 56 الذي يشمل بالعفو مرتكبي جرائم القتل والتعذيب نكأ الجراح من جديد. فلم يحدث في أي من تجارب المصالحة الوطنية الناجحة أن تمت المعالجة بهذه الطريقة. وبينما لا تتمسك القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في البحرين بشرط معاقبة هؤلاء، إلا أن إخضاعهم للمحاكمة وإدانة تلك الجرائم ثم العفو عنهم سيشكل إنصافا للتاريخ ورادعا وضمانا مستقبليا بعدم العودة لهذه الممارسات، كما سيشكل نوعا في نفس الوقت من التسامح والصفح الذي تحدث عنه ديزموند توتو. وعندما يثير بعض النواب من كتلتي المنبر الإسلامي والأصالة الغبار حول أن ذلك سيؤدي إلى إثارة الضغائن، أو أن تصرح وزيرة التنمية الاجتماعية بأن لا حاجة لقيام هيئة للحقيقة والإنصاف فإن تجارب الشعوب الأخرى أثبتت العكس. والمصالحة في جنوب أفريقيا أدت ليس فقط إلى تحسن الوضع الاقتصادي للطبقة المسحوقة ولا لاستمرار النظام الديمقراطي، وإنما خلقت مناخا أخلاقيا ومعنويا جديدا حيث يطلب فيه الصفح من ارتكب أخطاء في حق مواطن آخر عندما كانت العدالة غائبة، وهذا ما أدى إلى حدوث مصالحة وطنية حقيقية.
إنه لكي يتم استيعاب واستشعار كم هو وطيد الطريق الذي قررنا الانطلاق عليه إلى الأمام، فمن المفيد، بل والضروري التمعن في الماضي. الماضي يعطينا الإمكانية ليس فقط لاستخلاص الدروس وعدم الخطأ في التنبؤات المستقبلية. الأكثر من ذلك أن للتاريخ خاصية هامة. فهو لا يعلمنا فقط، وإنما يعاقبنا بقسوة عندما لا نعترف بقوانينه.
أن تبادر الجمعيات السياسية والمنظمات الحقوقية إلى طرح مشروع للحقيقة والإنصاف والمصالحة سيعتبر خطوة مهمة للغاية. وأن يستقبل جلالة الملك ويحاور ويبارك منظمي هذا الحدث يرسل للمجتمع إشارات غاية في الإيجابية. لكن التجاوب مع هذه المبادرة رسميا بحيث يتم تشكيل هذه اللجنة بقانون أو بمرسوم ملكي .. ذلك ما سيشكل حدثا تاريخيا هاما وضمانة أكثر تأكيدا بأن المصالحة الوطنية تسير في مملكة البحرين على الهدي الصحيح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة, مقالات | السمات:مقالات, سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























يوليو 27th, 2007 at 27 يوليو 2007 12:38 م
مرحباً
حفظ الله موطني …
لكن ما يحز في النفس مرور مثل هذه الأيام بصمت قاتل… أو ضجيج لا يسمع.
تحياتي